| |

05-01-10
|
|
|
|
|
رقم العضوية : 3
|
|
تاريخ التسجيل : Oct 2007
|
|
مجموع المشاركات : 2,536
|
|
|
|
نتائج المسابقة الأولى للقصة القصيرة
زملائي وزميلاتي
صباحكم ورد وياسمين
يسرنا ان نعلن لكم نصوص القصص الفائزة بالمسابقة الأولى للقصة القصيرة
التي نظمها ديوان ومنتديات النيل والفرات
وبهذه المناسبة يتقدم الديوان بالتهاني لجميع الاحبة الفائزين
ونوجه شكرنا وتقديرنا الى جميع المشتركين في المسابقة
كما نتقدم بالشكر والتقدير للاحبة اعضاء لجنة التحكيم
وعلى رأسهم القاصة المبدعة عائده محمد نادر...
وكانت النتائج التي وصلتنا من الزميلة عائدة والتي تم اعتمادها كما يلي:
1. الجائزة الأولى
فاز بها النص القصصي (شربات) للقاصة سولاف هلال.
2. الجائزة الثانية
فاز بها مناصفة النصان القصصيان
أ. مدن لا مصور لها للقاص أبو طالب البوحيّه.
ب. قلم صيني للقاص سلام يوسف إبراهيم العقيدي .
3. الجائزة الثالثة
فاز بها النص القصصي (بقايا طفولة) للقاصة إيفان الدراجي.
وسيتم اليوم إن شاء الله نشر القصص مع السيرة الذاتية للفائزين
ويتم عمل بنرات لهم في الرئيسية مع شهادات التقدير...
محبتنا وتقديرنا للجميع
ثروت سليم ...... فارس الهيتي ....... خالد جميل
التعديل الأخير تم بواسطة : فارس الهيتي بتاريخ 05-01-10 الساعة 11:53 AM
|
05-01-10
|
#2
|
معلومات العضو |
|
رقم العضوية : 3
|
|
تاريخ التسجيل : Oct 2007
|
|
مجموع المشاركات : 2,536
|
|
|
القصة الفائزة بالجائزة الأولى للقاصة سلاف هلال
كاتبة عراقية
صدرت لها مجموعة بعنوان إلى الوراء دُر
عن وكالة الصحافة العربية في القاهرة
شربات
منذ متى وأنا أرفض تعليق صور الأحياء والأموات على جدران بيتي لأنها تسبب لي الفزع بمجرد النظر إلى عيني صاحب هذه الصورة أو تلك ؟
آه ..تذكرت متى أقلعت عن هذه العادة، منذ رفعت صور أمي وأبي المتوفيين.
فعلت ذلك بعد قراري رفع صورة (شربات) من على حائط غرفتي ، وجهدت لإخراجها من البيت كله .
(شربات) فتاة أفغانية بهية الطلة حلوة القسمات، تفيض شبابا وحيوية ، استطاعت عدسة مصور أجنبي أن تلتقط لها صورة تاريخية أرى أنها تضاهي لوحة (الموناليزا) ، مع الفارق الكبير بين الصورتين( فالموناليزا) رسمت بفرشاة دافنشي وشربات إلتقطتها عدسة مصور بارع جعلت منها انموذجا يحلم بتجسيده كثير من الرسامين.
كان ذلك المصور الفوتوغرافي قد نال جوائز عديدة عن تلك الصورة الفريدة التي إلتقطها لفتاة فائقة الجمال ،كانت تقف ضمن عدد كبير من الفتيات اللواتي كن يتابعنه بدهشة وهو يلتقط الصور للأطفال والشيوخ والباعة المتجولين ويصور كل مايشاهده من مناظر لم تألفها عيناه من قبل ، إلى أن سقط بصره على (شربات) فمنحها الخلود من خلال لقطة عبقرية نادرة .
ثم تمر السنون ويعود المصور ذاته إلى أفغانستان باحثاعن (شربات) تلك الفتاة المشعة، صاحبة العينين المبهرتين، ليعثر عليها أخيرا من خلال بصمة العين .
كانت حينها قد فقدت ذلك الجمال البهي الذي ألهم الفنانين ، داهمها الزمن برسوم أخرى في الوجه والعنق وتحت العينين ،أضحت عجوزا متغضنة ،باهتة النظرات ، كسيرة الظهر لكنه لم يضييع فرصة إلتقاط عدة صور لإمرأة كانت ، ذات زمن ، أميرة للجمال .
وهكذا نشرت صورتها وهي شابة جنبا إلى جنب مع صورتها وهي عجوز ،لكن الفنانين ظلوا مخلصين( لشربات) الملهمة فمنحوها شبابا خالدا كما اشتهوه ، لكن من هي شربات ؟
إبني رسام موهوب يهوى تقليد اللوحات العالمية وقد شاء القدر أن تقع عيناه على المجلة التي نشرت صور (شربات) وحكايتها مع المصور الأمريكي ، وبالطبع قام برسمها ومنحها نفس النظرة التي تميز لوحة( الموناليزا) ، تلك النظرة التي تشعرك بأنها تنظر إليك أينما كنت وأنى توجهت ، تظل تمعن النظر إليك بعناد .
حتى ذلك اليوم كانت الأمور تسير على مايرام ، لكننا قمنا باستئجار شقة جديدة أكبر مساحة من الشقة التي نسكنها فأوصيت إبني أن يرسم عددا من اللوحات العالمية
لنزين بها جدران الصالة الكبيرة ، وبالفعل قام برسم عدد من اللوحات لكبارالفنانين مثل(ديفيد روبرتس) و(ستيف هانكز) و( ساره مون)، مما جعلني أضطر لنقل لوحة (شربات ) إلى غرفة نومي ، لأنها لاتنسجم مع نمط اللوحات التي رسمها ولدي.
زينت اللوحة أحد جدران غرفتي العارية ،فأدخلت على قلبي السرور،لكني كنت أعاني من الخوف عند النظر إلى عينيها خاصة في غياب زوجي ، ولا أعرف لماذا باتت فكرة (التلبس) التي أسمع عنها وأشاهدها في الأفلام تداعبني ،بل تعبث بي ،لاسيما حين أفكر في أنها ربما تكون الآن مجرد روح هائمة تبحث عن جسد يحتويها ، لأن صورتها الأخيرة كانت تدل على انها تجاوزت السبعين، وبما أن المجلة قديمة فربما تكون صاحبة هذه الصورة قد ماتت بالفعل ،المهم أنني أقنعت نفسي بهذا الإحتمال وصرت أتحاشى النظر إلى عينيها خشية أن تتلبسني ، وحتى أتخلص من هذا الهاجس المفزع قررت أن أتخلص من هذه الصورة نهائيا، فطلبت من إبني بيعها وقد تم لي ما أردت .
تخلصت من لوحة (شربات) التي أحببتها كثيرا وكنت أفتخر بإبني وأثني عليه لأنه استطاع أن يرسمها بهذه البراعة التي تصل إلى حد التطابق مع الصورة الأصلية.
لا أنكر بأنني ترددت كثيرا قبل أن أتخذ قرار إقصاء (شربات) ، لكنني صرت أكثر ارتياحا بعد أن تخلصت من هاجس الخوف الذي كان يتملكني ،وليس هذا فحسب، بل قمت برفع جميع الصور الشخصية والبورتريهات التي رسمها إبني كي أنعم بالسعادة أو براحة البال .
لاأعرف كيف جذبتني إليها مساء ليلة باردة ،كنت أتدثر تحت غطاء سميك لأشعر بالدفء ،درجة حرارتي مرتفعة بعض الشئ ،وجسدي يعاني من إرتعاشة خفيفة.
صوبت نظري إلى عينيها فوجدتها تتطلع إلي بنظرة حادة ،أشحت بوجهي لكني وجدت نفسي مدفوعة للنظر صوب وجهها الذي يحمل فتنة النساء اللواتي كن يعشن في أربعينيات القرن العشرين ..تفرست في وجهها الشاحب فبدا لي أن ابنتي الصغرى تشبه جدتها إلى حد كبير ، وهذا مالم ألحظه من قبل .
إمرأة جميلة تتسم بأنفة الأثرياء ، عيناها الكحيلتان تتمتعان بحدة عيني صقر، لاحظت ذلك وأنا أتطلع إليهما ، فهما تشبهان إلى حد كبير عيني زوجي ، ولاحظت أيضا أنها تحدق بي بنفس الصرامة التي يحدق بها حين يكون غاضبا، لكن ماسبب غضبها وما الذي تريده مني هذه المرأة المتوفية منذ ستين عاما، ومن ذا الذي وضع صورتها في غرفتي دون مشورتي ؟
كنت مستاءة جدا ، عازمة على إخراج هذه الصورة خارج نطاق حجرتي ،بل وإلقائها خارج البيت كله كما فعلت مع لوحة (شربات) ،لكنني كنت عاجزة عن النهوض ،أقاوم شعورا بات يربكني .
ليتني لم أفرط (بشربات) ،لو أنني لم أتخل عن تلك الفتاة الوديعة المسالمة
لما حلت محلها هذه المرأة الصارمة ..المتشبثة بالحياة .
الآن أستطيع أن أخمن من الذي زرع هذه الصورة على الجدار المقابل لسرير نومي، إنه زوجي ..الطفل الذي لم يشبع من حضن أمه، ولا يمكنه تذكر ملامحها إلا من خلال هذه الصورة لأنها ماتت وهو لما يزل طفلا لايتجاوز السادسة من العمر،وهذه الصورة هي آخر صورة ألتقطت لها قبل وفاتها بعدة شهور .
لم أنعم بالراحة في تلك الليلة الطويلة ، تنازعتني الكوابيس والأحلام التي لاأتذكر منها إلا شيئا واحدا فقط:
كنت أحدق في عيني المرأة التي كانت ترمقني بشراسة أزعجتني ،مما دفعني إلى الرد عليها بالطريقة ذاتها ، أظن إن درجة حرارتي إرتفعت حينها إلى حد إحساسي أني بت أتصبب عرقا ، وبينما كنت أصغي إلى لهاثي المتقطع وأجاهد من أجل إزاحة الغطاء عن جسدي المحموم ، رأيت دخانا أزرق ينبثق من كل فتحة من فتحات رأسها الصغير .. من عينيها ومنخريها ..من فمها وأذنيها ،إنطلق الدخان كثيفا ليسبح في فضاء الغرفة ثم يتماوج صعودا ونزولا في حركة حلزونية أشبه برقصة شيطانية يصدر عنها هسيسا مرعبا أسقطني في جب الخوف .
رفضت الإستسلام .. تابعت المشهد بصمت ،كان الدخان يتشكل وينهدم.. ينفصم ويلتحم متخذا في النهاية هيئة جسد غير مكتمل ، يحمل ملامح المرأة التي في الصورة.
نظرت إلي شذرا ثم انقضت علي كما الوحش ، فاشتبكت معها في معركة أنا الخاسرة فيها وفقا لموازين القوى، كانت تتمتع بطاقة خارقة رغم عجزها عن الاكتمال ،وأنا أعاني من قصور في التنفس وانعدام التوازن وضعف في الأداء .
لا أعرف ما الذي حدث ، ربما انتصرت علي ، وربما أكون قد هزمتها رغم ضعفي ، لكنني على يقين بأن شيئا ما حدث جعلني أختلف عما كنت عليه في السابق .
تصاعدت حدة الخلافات مع زوجي خلال الأيام التالية ،لاأعرف مالذي دهاه، رغم أني كرست له جل وقتي ،وتفانيت في خدمته ، حتى أنني لم أعد أمارس هواياتي ،وما اهتممت بأحد سواه،أما أولادي فلقد فتر اهتمامي بهم، لأني حشدت مشاعري كلها نحوه .. صرت أحنو عليه ، وأرعاه بقلب أم رؤوم اعتزلت الدنيا لتحيا من أجله .
كنت أوبخه أحيانا وأنعته بالطفل لأنه يرفض رفع صورة والدته من على حائط غرفتي ، فيصرخ في وجهي .. أنت مريضة تخافين الأموات وكأنك ستعيشين أبدا،
إتق الله إنها أمي ، لماذا تريدين أن تحرمينني منها ،إنها صورة .. مجرد صورة فدعيها بسلام .
هي ليست صورة .. إنها كائن يسكنني .. كائن لاأعرف من أين أتى، لكنه غريم أقض مضجعي وعكر صفو أيامي ، معاركي معه ما توقفت لحظة واحدة ، لأنه ناضل من أجل إزاحتي وطردي من جسدي الذي يريد أن يستحوذ عليه بالكامل ، وأنا أستبسلت كي أسترجع حقي في امتلاك هذا الجسد الذي يخصني وحدي حتى وهو تحت طائلة الإغتصاب .
النتيجة أنني خسرت الحرب كلها ،بعد أن حققت نجاحات محدودة في المعارك المتفرقة مع متلبستي ،خسرت الحرب في الجبهة الرئيسية مع زوجي .
لقد قرر هجري منذ تخليت له عن سرير نومي ،وامتنعت عن استئناف حياتي الزوجية معه البتة !!
|
|
|
|
|
05-01-10
|
#4
|
معلومات العضو |
|
رقم العضوية : 3
|
|
تاريخ التسجيل : Oct 2007
|
|
مجموع المشاركات : 2,536
|
|
|
القصة الفائزة بالجائزة الثانية مناصفة للقاص سلام يوسف إبراهيم العقيدي
الاسم : سلام يوسف إبراهيم العقيدي
كانت لي بدايات بالكتابة من خلال الخدمة العسكرية وفي المناسبات
وقمت بالنشر على الجدار الحر في جامعة الموصل , كلية التربية , قسم الرياضيات والفيزياء ,
نشرت بعض النصوص الأدبية في جريدة نبض الشباب و في جريدة الانبار
قلـم صينــي
في أحد الصباحات المشرقة بشمس بغداد من شهر كانون , كان مخاض لولادة يوم جديد وانعطافه مثيره في ذاكرة أيامي المغلوبة بالنسج الروتيني , دون مناص من حقيقة موروثات الإهمال العاطفي من أتصول تردد بخوض تجربة جديدة , قد تخلق تناقضات كثيرة وبعيدة عن طموحاتي المفتقرة لالتزامات ثابتة لاغنى عنها .
وبسابق نية استقلت أحد سيارات النقل الصغيرة , مدججا بثقة عاليه بالنفس واستعداد كامل لإنجاز ما مطلوب مني وإنهاء ما بدأت به بتكليف من رب العمل , وبعد ما اتخذت المقعد القريب من النافذة مرتّبا ما بين يدي ّ من أغراض وحاجيات كان قد لفت انتباهي رجل طاعن بالسن مرتديا خواما عربيا بزي قديم يشغل المقعد المواجه مباشرة لمقعدي , كان ساكنا في مكانه وهو يحتل بأفكاره دقائق الصمت بانتظار المتفائل , تعلو ملامحه صورة استبيان لاختلاجات الإرهاق والإجهاد بحصيلة وجوم متأتّ من صبره على دقائق تهدر بانتظار امتلاء المقاعد بأعداد الركاب . حتى بدت لي فتاة مكتنزة يافعة تبادلت بقدميها واحده بالأخرى وهي تهم بالصعود من على شفة الباب برشاقة غير معهودة , فظهرت بأناقة تنم عن بحبوحة مادية , تسبقها بالبحث عينيها عن مقعد مناسب مبتسمة كأني بها قد وجدت ضالتها , عدتُ متحفظا ببصري وتبصري متحاشيا فضولا يقودني لاحراجات ملحّة رغم شغف عيني بملاحقتها وتتبع حركاتها خطوة بخطوة لحظة استعدادها باحتلال مقعدها المفضل فكنت محظوظا عند اختيارها المقعد الذي على يميني , شعرت بجاذبيتها تثيرني ومدعاة لفضولي ولكني لم اكن من الشجاعة أن ادخل إلى عالمها الذي ما زال غامضا بالنسبة لي , اعترضتْ صمتي بسؤالها أن كانت السيارة متجهة في طريقها مارّة بمبنى الدائرة التي كان يعمل فيها طليقها , فاعتمل السرور في صدري نشوة عارمة لوجود شيء ما يبرر المشاركة ويخفي فضولي المتزايد مع مرور الوقت , فباشرت السائق أن يخبرنا عن دقيق الجواب من خلال مرآة أمامه تعلو جبينه معلقة بسقف السيارة ؛فأدرت وجهي باتجاهها متمتما ( هاي وخلصناها الج ) فابتسمت وهي ترتب أكمام قميصها بحياء شاكرة صنيعي بكلمات مختصرة تقتطعها عنوة بقليل من التلكؤ والخجل , فحاذرت أن امسك بأذيال الكلام معها متجنبا مكوثي طويلا عند نهايات عباراتها ملتجئا بالصمت و أبعاد عيني خارج النافذة , ولكن على غير العادة زادني فضول واعترتني أنانية حمقاء بان أنزلف بهدوء صوب تمكني بإمساك أطراف الحديث , مكرراً سؤالي – هل هذه الدائرة المعنية مقر عملك ؟ ودون إعطائي هدنة للصمت
باشرتْ لتتجاذب معي الحديث , بعد ما أشارت باني قد أخطأت في حدسي هذا لان الدائرة المعنية كانت لطليقها مقراً لعمله وأنها تعمل في دائرة أخرى في
الصوب الآخر . ولا أخفي اني كنت منشدّا لتعابيرها وهي تنبس بالكلمات كأنها تنحدر من ثقافات متمكنة غير محدودة , فكانت تردد كلمات بلغة اجنبيه متخللة لغتها العربية ؛ المهم أني وجدت بموضوع حديثنا طريقا يسيرا وطويلا يمكن أن نتجاذب أطرافه معا على طول المسافة التي سنمكث بها في مقاعدنا باجتيازنا الطريق كل إلي ضالته , فبعض كلماتي كانت تفتح عليّ حديثا مشعّبا ما كنت صادقا في حدسي لو تأملت انتظاره منها ويزيدني حرصا يرافقه حذر ألا أتفوه بكلمات ربما تضع دون أن ادري نهايات لحديثنا هذا بعد ما استولت عليّ رغبات جامحة في التقصّي لمعرفة كل شيء عنها قبل أن اقف في وقت يحاكي الوصول إلي نقطة النهاية , غافلا عما أصابني جاهلا باندفاعي للاستيلاء على مفاتيح حديثها الذي يتخلله الغموض وبعض مكامن حياتها الخاصة ,في الوقت ذاته كنت غير آبه بمن هم حولي حينما وجدت من تستميلهم الرغبة في إطراق مسامعهم نحونا لاستيعاب وتفسير ما يحدث معهم ؛فطالما انبثقت أفراحي من بين أحزاني وانبثقت أحزاني من بين أفراحي دون أن يكون لي يد بذلك , بل هو حدث ليس إلا , فبمجرد الإحساس بما قد اعتراني بصحبة تلك السيدة التي اجهل الكثير عنها كان بمثابة تغيّر فاضح وكشف مسبق على أسلوب تصرفي المعتاد رغم موضوعيته الحسنة حيال موقف كهذا ربما مررت به مسبقا ولكن راح بمأخذ جديد وباندفاع اكثر ينم عن حاجة في نفسي كنت قد أسدلت عنها الستار ممتثلا لرغبة في تحقيق الذات من خلال أسمى المبادئ في الوفاء والإخلاص لحبيب غائب ما تبقى لي منه غير عبق الذكرى ووعود لا تنقصها غير الإيفاء بها , وبلباقة كانت تقطع على ّ سبل تمكني في تتبع أثرها من جديد , فأباغت السؤال بالجواب والجواب بالسؤال وألوذ تحت إسهابي في الطرح حتى تبدو عاجزة عن الرد ليتسنى لها أن تتغاضى عن تطفلي فأعود كرّة أخرى محكم قبضتي مما يزيدني إصرارا على أن اصل إلى جادة الصواب باختيار ما يعطيني الأحقية بان أكون سيد الموقف باسترجاع بحثها في أوراقها المؤتمنة وكشفها عما كانت عليه صورة ارتباطها بطليقها و أسباب قطع وشائج ارتباطها به , بعد ما كانت تجمع بنا أسباب واحدة لكلينا تداعت بحياتنا الزوجية , بنوازعها و إحباطاتها وبما أغرقت بالتسويف والطّعن كل ما يتمثل في ثبوتيات حياتية لا يمكن التنازل عنها أو ربما مجرد اهمالها , أولها احترام الذات وثانيها الثقة التي تعمّد سقف الزوجية , وتجعل منها وجهان أما الطاعن بالشك فيهوي بالسقف مطيحا بكل القيم وصور الارتباط أو المثري بها صادقا كثروة النبل والمودّة والرحمة . وبعد مقارنة
بيننا استوضحت صورة بيانية بإطارها الصغير المألوف المتكرر في مجتمعنا الكبير فلم يعد لدينا إلا الحاجة الغاصة بالحاجة لكلينا . فراحت مبتسمة تأخذك
بنفس مرغمة على طاعة غير معتادة لحب الحياة على أن تعيش يومك سعيدا هانئا بما وهبك الله فأحلني الصمت برهة عن التماس جزء من رغباتي منها
وفي لحظاتي نشوة لنفس , غبطة فرح , سرور بكبرياء يمجّدني, أمل ثر يسمو بتحقيق كل أحلامي , فما أن أوشكت أن اقرصن حكمتها وبعض نصحها لي فوجئت بها وهي تخرج من حقيبتها دفتر ملاحظات صغير وقلم صيني ازرق لتخبرني أن أدون فيه اسمي ورقم هاتفي فبرحت اثبت لها ما طلبته مني , فسألتها أن تقابلني بحاجتي لرقم هاتفها النقال , أخرجت هاتفي وهي مسلّمة لرغبتي في حاجتي وبكرم يسبقه حرصا على استغلالها كل دقيقة تشاركني بها , مصغيا لها وهي تهمس في أذني في تتابع رتيب أحد عشر رقما دافئا بأنفاسها الحرى ,فما أن أنهيت من تثبيت اسمها مع الرقم بارتباك ظاهر, ودون سابق التفاته كان استعدادها للنزول من السيارة , فوجئت بها تترك مقعدها وتطلب من السائق أن يترفق بالتوقف لتتمكن من فتح الباب وتتهيأ للنزول مسرعة وهي تردد (عليك الاتصال بي ) فأضحت ملامحها عالقة في مخيلتي ونفسي توّاقة لحلولها قربي رافضه استسلامها والتخلي عنها بعد ما كانت أنيسي منذ لحظات . وإذا بصوت أجش مرتفع يطرق على مسمعي باستفزاز ينقلني من عمق الذات إلى سطح وعيي , كان الرجل المسن نفسه ليخبرني أني ما زلت أطبق على قلمها الصيني بين أصابعي , فالتفتّ بنظري نحوة النافذة الخلفية دون فائدة مرجوّة لأنها كانت قد اختفت صورتها بين زحمة المارة في الشارع في الوقت الذي قد ابتعدت السيارة بنا بمسافة لم تعد تسمح لي بالقدرة لرؤيتها بوضوح وتمييز , التجأت للاتصال بها وبعد البحث عن رقمها لم أجده محفوظا في ذاكرة هاتفي , فتنفست الصعداء من غيض أدرت وجهي باتجاه النافذ ه وأنا اضحك من نفسي بقهقهة مسموعة .....
|
|
|
|
|
05-01-10
|
#5
|
معلومات العضو |
|
رقم العضوية : 3
|
|
تاريخ التسجيل : Oct 2007
|
|
مجموع المشاركات : 2,536
|
|
|
القصة الفائزة بالجائزة الثالثة للقاصة إيفان الدراجي
بكالوريوس آداب انجليزي
ترجمت العديد من المقالات لصحف محلية
عملت كرسامة لعدد من الصحف المحلية
نشرت لها نصوص أدبية في العديد من الصحف المحلية ومواقع الانترنت
شاركت بمعرض ( حلم ) التشكيلي سنة 2007 في البصرة
شاركت بمعرض ( حكايا أنوثة ) التشكيلي سنة 2009 في البصرة
مشاركة فنية ( معرض تشكيلي مشترك) على هامش مهرجان الإبداع السنوي 2009
مشاركة بمهرجان البصرة الشعري 2009
لها تحت الطبع:
في الثلاجة- مسرحية بفصل واحد
خرائط الذاكرة- مجموعة قصصية

بقايــــــــــا طفولــــــــــة
وقفت وحيدة كعادتي بنفس التقاطع, أتصنع مطالعة الجريدة باهتمام منتظرة قدومه ككل صباح, مطلا علي بوجهه الملائكي المتعب سائلا بصوته الحنون النابع من حنجرة ملؤها الألم ومسامير التشرد:
- صباح الخير, أتريدين وردة آنستي؟
اشتريت الورود كلها ككل يوم, منتشية بابتسامته الندية. سابقاً كانت تعلو وجه إمارات الذهول والاحتقار من نفسه وحياته كأنه يقول:
" لست محتاجاً لشفقتك ".
أخذت أراقبه بقلب يخفق خوفاً و حزناً عليه وهو يذوب في زحمة الناس و الشارع بين السيارات والضجيج.
- لم تنطقي بأي كلمة كما تفعلين كل يوم.
مشيت بطريقي صامته غارقة بأفكاري فتبعني وأسرد الحديث:
- يجب أن تتعلمي أن تواجهي مخاوفك, ابحثي لنفسك عن نافذة وحلقي بعيداً, بالأمس أنا واليوم هو.. تحرري من عقدة الذنب وحرريني أرجوكِ.
وقفت فجأة ورمقته بنظرة تطلب إليه السكوت..
عدت للبيت.. ارتميت على مقعدي المفضل وأكملت قراءة كتابي – صديقي – الذي أتدفأ بأحضانه هذه الأيام ( دبابيس) للشاعر العراقي ( عبد الستار العاني)..
فتحت الصفحة التي طويت سابقاً وأخذت أقرأ بصوت عالٍ:
- " لو طبعنا وجه طفلٍ فوق وجه الورقة..
لرأينا رماداً لبقايا مَحرَقة."
- ليس من المعقول أن تمضي حياتك مدفونة بين تلك الكتب هرباً من ماضيكِ ومن الواقع.. ابحثي لنفسك عن صديق أو حبيب.. تزوجي, أنجبي أطفالا..
- أسكت – حسونيّ -..
( صرخت بوجهه مقاطعة ) إن لم يعجبك أمري فأرحل ودعني أكمل القراءة.
- أرحل؟! تعلمين إنه لا يمكنني ذلك, وحتى إن غبت عنك قليلاً ستتولينني باكيةً للعودة لمرافقتك مجدداً. إنني أحبك كثيراً و لا أريدك أن تبقي هكذا.
- أنا راضيةٌ بـ ( هكذا ) .
أحضرت لنفسي كوباً من الشاي بالحليب الساخن وأخذت أشرب.
- أتمنى لو أمكنني أن أشرب أيضاً, لم أتذوقه منذ زمنٍ طويل.. ربما عشرون عاماً أو أكثر..
- صه..
رفعت إصبعي مشيرةً إليه بالسكوت.
* * *
( كانت القوات الإيرانية أبان الحرب الإيرانية- العراقية تستهدف مدينتي ( البصرة ) بشكلً خاص مستخدمةً المدفعية تارةً والقنابل والصواريخ تارةً أخرى.
الغارة بصوتها المتقطع المخيف يخطف الأنفاس معلنةً ابتداء القصف. كنت وأخي الصغير – حسونيّ – البالغ من العمر ست سنوات نتخذ لنا مخبأً تحت سريره الحديديّ ( العالي ) واضعين الأغطية تحتنا والوسائد فوقنا, كان دوماً ما يتمسك ببطانيته تحته بكلتا يديه .. وحين نسأله عن ذلك يجيب:
- كي لا أطير إذا تعرض المنزل للقصف بالصاروخ.
كنا نضحك منه كثيراً.
والدي يواصل الاستماع للأخبار في المذياع متنقلاً من محطةٍ لأخرى مستجدياً عبارة " أعلن وقف إطلاق النار " يلفظها أحد المذيعين بعدما ضاق صبرنا بحربٍ استمرت سبع سنينٍ ولم تنتهي بعد.. والدتي تبحث عن قطعة لاصق جروح ( بلاستر ) جديدة لتضمد بها ( زجاجة ) الفانوس المكسورة لئلا تطفئه الريح.
استمر القصف هذه الليلة وكان أشد من الليالي السابقة, في كل ليلة نعتقد هذا الاعتقاد! أخبرنا والدي أن إجازته انتهت وأن عليه الالتحاق بفرقته غدا صباحاً مما زاد خوفنا أكثر. حين غفونا – رغم الأصوات والهزات التي يسببها القصف البعيد والقريب – أنا وأخي تحت مخبأنا المفضل, كان يتقلب كثيراً فأيقظني تقلبهُ وبكاءه, سألتهُ فهمس لي:
- أنا خائفٌ كثيراً, لماذا سيتركنا والدي مجدداً؟
- لا تخف فماما معنا وأنا معك.
- لكنك دائما تتركينني وحيداً تحت السرير وتخرجين للشرفة مع ماما..
- ( قاطعته أحاول اطمئنانه ) لا.. لن أتركك بعد اليوم أعدك.. لكن عليك أن تعدني أن تسمح لي باللعب ببندقيتك حين أشاء.
- أعدك. )
* * *
وقفت عند التقاطع منتظرةً الفتى الذي يبيع الورد, لكنه تأخر اليوم على غير عادته, تمشيت قليلاً في نفس الشارع أنبش بنظراتي حشود الناس التي تمضي لعملها أو سكناها أو للسوق متثاقلة..عليّ أعثر عليه.. لمحت أولاداً يركضون باتجاه أحد الأزقة الضيقة, تبعتهم هناك, فكان بعض الفتية يتشاجرون وهو من بينهم, تلقى لكمةً قويةً من احد الصبية الذي يكبره سناً ويفوقه قوة, فسقط على أثرها أرضاً, تدخلت محاولةً تفريقهم وإبعاد الفتى الغليظ عنه, حين استفسرت عن الأمر.. وكما توقعت فهو شجار من أجل
( ملكية ) التقاطع. فكل جماعة من الأولاد لهم شارعهم أو تقاطعهم الذي يبيعون و يعلمون فيه , وإذا ما قرر ولد جديد الانضمام إليهم بنفس الشارع فعليه أن يدفع ( إيجاراً ) عن كل يوم ( لصاحب ) الشارع حسب ( قوانين ودستور الشارع ) والذي بالعادة يكون فتىً يكبرهم سناً ويفوقهم قوةً وهو هذا الفتى الغليظ.
أعطيت الفتى الغليظ المبلغ المطلوب وسألته أن يذهب بعيداً ولا يؤذيه مجدداً, ثم نظرت للولد الصغير مبتسمة وسألته:
- أترغب بتناول الفطور معي, بيتي قريب, سأعالج لك وجهك.
فكر ثم وافقني لكن باستغراب شديد, ربما كان الفضول دافعه الوحيد لمرافقتي.
- تهانينا.. ستأخذينه الآن للمنزل وتقدمين له الشاي بالحليب..
- حسونيّ..
- اسمي ليس – حسونيّ- .. اسمي – ثائر - .
- آسفة, لست أقصدك يا ثائر.
جلسنا نشرب الشاي بالحليب ونأكل البسكويت الذي ( يبدو ) إنه لم يتذوقه يوماً في حياته, وكان ( حسونيّ ) يجلس على الكرسي المقابل لنا في زاوية الغرفة يهزّ برجليه كعادته.
فسألت ثائر:
- أين أهلك؟ وأين تعيش؟
- أعيش بالمخيمات.. والدي توفي أثناء الاجتياح الإسرائيلي لغزّة منذ سنتين.
- أتذهب للمدرسة؟
- طبعاً لا.. تركتها بعدما بدأت العمل بالشارع.
- لماذا؟
نظر إليّ كأنه يقول لي:" يا غبية؟, أين تعيشين."
ثم أجاب:
- كي أعيل عائلتي.. لي والدة مريضة وثلاث أخوات صغيرات غي المدرسة.
- ألا تحب العودة للمدرسة؟ ألا تريد اللعب مع باقي أصحابك؟. حياة الشارع ملؤها المشاكل والمخاطر وأنت مازلت صغـ....
( فنهض وقاطعني صارخاً بوجهي ):
- لست صغيراً. أنا رجل.. صرت الآن بالثانية عشرة. وقت اللعب والدراسة قد راح.. الأولاد بعمري في فلسطين يحملون السلاح.
السلاح.. نعم .. هذا ما آلت إليه ممارسات الطفولة في بلادٍ كبلادي وكفلسطين.. إنه ذنبنا, ذنب الأهل, لماذا ننجب ( أولادنا ) إن كنا أنفسنا غير قادرين على التعايش مع ( الظروف) التي تُفرض علينا ثم نجعلهم يتحملون مسؤوليتهم ومسؤوليتنا؟!!
الأولاد, بحد ذاتهم يحتاجون للرعاية من الألف إلى الياء.. لماذا خلقنا عصافيراً نحتاج لمن يأوينا ويطعمنا ويعلمنا الطيران حتى نصبح مستقلين ونختار فضائنا الخاص؟ لماذا لم نخلق تماسيحاً؟! نحترف الصيد عند خروجنا من البيض.. لماذا دوماً نكون الفريسة وليس المفترس؟
كان رجلا ملؤه الكبرياء والعزة والكرامة داخل هذا الجسد الصغير.. كبُر قبل أوانه.. وأيقظ نفسه من أحلام الطفولة.. أحرق ألعابه كلها.. يمشط الشوارع كل يوم من الفجر لأجل الخبز.. ويتطلع لغدٍ يحمل فيه السلاح لأجل الكرامة.. لأجل الأرض.
أتخيلُه.. تنظره أمه وأخواته الصغيرات عند الباب , يحمل إليهم ما استطاع.. يقتسمون الخبز والحب والعِزة والصلاة.. ينام مُرهقاً وكل ما يشغل باله الاستيقاظ قبل الفجر لملاحقة الرغيف.
أيها الأطفال الذين تملئون الشوارع وتطغون على تفاصيل يومياتنا تبيعون الورد أو المناديل الورقية- الكلينكس – أو السكاير أو أكياس النايلون أو غيرها... نتجاهلكم ونمضي في طريقنا – دون النظر حتى في عيونكم – كما نتجاهل الإسفلت الذي نمشي عليه .. أحتقر نفسي أمامكم.
أدركت لأول مرة مدى سطحيتي وتفاهتي وصغر قامتي ( كنملة ) فانية أمامك أيها العملاق الصغير – الكبير.
فقال بنبرته النديّة المتألمة:
- سأعيد لك المبلغ ما أن أجمعه, فلم اعتد الشفقة ولا أحتاج للتسول.. أنا أعمل بعرق جبيني.
وخرج من الباب تاركاً صفعةً قويةً على وجهي.. التفت لـ ( حسونّي ) .. كان ما يزال جالساً يراقبني بعينيه الصغيرتين بحنيّةٍ وشفقة.. بكيت .. بكيت كثيراً لكن لا أدري لماذا؟!
أتمنى لو كان بالإمكان أن أفعل ما يجب أن يكون.. ما يجب فعله.. لكن ليس بيدي سوى أن أشتري منه باقة الورود التي يبيعها كل يوم.. شعرت بالتقصير.. بالتقصير.. بالتقصير. آه .. أتمنى مرهقة.. أتمنى متألمة,, أتمنى.. ثم رددتُ بصوتٍ عالٍ أبيات ( عبد الستار العاني ) التي لمحتها بصفحة الكتاب المقلوب أمامي على الطاولة:
- " اطمئنوا..
ستعود الأرض حتما
لم تزل
في صوتنا نبرة ثائر
بعنادٍ قد صعدنا
فوق أفخاذ الغواني
وجعلناها
منابر.."
لكنني لن أصنع منابري التي ستعيد الأرض ( حتماً ) حتى لو اشتريت كل الورود التي يبيعها الأولاد في الشوارع!
* * *
( اشتد القصف هذه المرة في منتصف النهار , كان والدي بالخارج يشتري لنا بعض الحاجيات من الأسواق المركزية, حين هز البيت دوّي انفجار لصاروخ سقط قريباً كما قيل, وسمعنا الناس بالشارع يصرخون بأنه سقط على مبنى الأسواق المركزية. جنت والدتي وأخذت تجوب البيت ذهابا وإيابا تدعو الله ببعض التتمات..فتحت الباب تستجدي دخوله منه بأية لحظة لكن دون جدوى , فقررت الذهاب للبحث عنه قرب موقع الانفجار. أدخلتنا الغرفة وخبأتنا تحت السرير واضعةً علينا الوسادة والأغطية وحذرتنا من الحركة لأيٍّ من الأسباب .. هلعنا وبكينا لكنها وعدتنا بالعودة بعد قليل وبيدها والدي .. خرجت وأوصدت الباب ( حدث كل هذا بثوانٍ قليله ) .. عادت بعد أقل من ثانية لكن دون والدي، يبدوا إنها ترددت بوضعنا تحت السرير.. أخرجتنا وذهبت بنا لجارتنا طالبةً منها أن تبقى عندها لتذهب للبحث عن والدي، اختبأنا في احد غرف بيت الجارة وحاولت اطمئناننا. كان الخوف والهلع يصعد مع أنفاسنا ويطفو في نظراتنا الحائرة بشأن مصير والدي المجهول والآن والدتي أيضاً.
تأخرت كثيراً .. كنا نسمع أصوات صفارة الإنذار والمطافِ والإسعاف وهلع الناس بالخارج.. خرجت الجارة أيضاً .. همس لي أخي ( حسوّني ) بأنه يريد بطانيته وبندقيته .. حاولت تلهيته ولكن بدأ بالبكاء بشدة، كان خائفاً كثيراً وصار كل أمله أن يتمسك ببطانيته كي ( لا يطير ) ويضع بندقيته بحجره، كانت هذه حيلته في تناسي الخوف، حاولت إسكاته دون جدوى.. أمسكته من يده وخرجنا من بيت الجارة لجلب البطانية والبندقية ( لم تكن الغارة قد انتهت بعد ) ..).
* * *
انتظرت طويلاً عند تقاطع الشارع دون أن يأتي ( ثائرْ ), حتى أصابني اليأس فعدت للبيت.. أحسست بشيء ينقصني.. حتى ( حسوّّني ) لم يزرني اليوم ولم ( يوبخنيّ ) كعادته ، أمسكت ( بدبابيسي ) وأرسلت أقرأ بصوت عالي :
- " رغم إنّا
فوق بحر النفط
نطفو
غير إنّا
لم نكن
نحصد شيئاّ .."
أحُسست ببردٍ ووحدةٍ موحشة .. كان الشباك مفتوحاً ، والستارة تطير للداخل .. فجأة صارت للستارة أصابع كثيرةً تمتد داخل الغرفة باتجاهي محاولةً استفزازي.. أطرقت رأسي للكتاب متجاهله.. لم أجد الحروف السوداء الثائرة على الصفحات, كانت فارغة تماماً.. بيضاء تافهة.. أخذت اقلب الصفحات كالمجنونة, رميت الكتاب ضاربةً به لوحةً معلقةٍ على الجدار فسقطت اللوحة وبدأت تنزف.
- لقد جنت أكيد.. جننت.. حسونّي أرجوك كفى.. كفى لعباً واظهر نفسك.
لم يظهر ( حسونّي ), انطفأ المصباح الوحيد الذي يتوسط سقف الغرفة جلست تحت الطاولة القرفصاء, أغمضت عيني بقوةٍ, بعثر صمت المكان صوت الحنفية تنّقط الماء نقطة.. نقطة.. صوت صفارة إنذار.. نقطة.. -آه- مرعبة.. نقطة.. حسونّي يصيح " لقد وعدتني"!.. نقطة.. ثائر يصرخ بوجهي " الأولاد بعمري يحملون السلاح".. نقطة.. دويّ انفجار.. نقطة.. ( مع كل نقطة ادفن رأسي أكثر بين ركبتيّ مغمضةً عينيّ بالقوة وواضعةً يديّ على اذنيّ امنع الأصوات من الهجوم على رأسي ).. تصرخ أمي.. نقطة.. صوت المذياع.. نقطة.
صرخت:
- كفى.
خرجت للشارع منتصف الليل أهيم على وجهي بين الأزقة الباردة الموحشة المهجورة إلا من الكلاب وبعض قصاصات الجرائد وأكياس النايلون المتطايرة على حافات الأرصفة..
خرجت ابحث عن ثائر أم عليّ ابحث عن نفسي؟
دخلت الزقاق نفسه الذي وجدته يتشاجر به قبل أيام.. عبثاً ناديته, جثوت على الرصيف ابكي, وابكي, وابكي.
ناديت حسونّي.. تمنيت لو يربت على ظهري الآن ذات اللحظة بيده الصغيرة الحنونة الدافئة.
* * *
وجدت بطانية ( حسونّي ) وبندقيته ملقاةً تحت السرير , أخذناها عدنا لبيت الجارة مسرعين.. تلك اللحظة, دوى انفجار فريب وقوي هزّ الشارع بأكمله.. تمسك أخي بي, صار الناس يركضون ذهاباً وإيابا حاولت التمسك بيده بالقوة فأمسكت البندقية عوضاً عنها, ضاع في الزحام بين جموع الهاربين الخائفين.. ركضت هلعةً ابحث عنه.. أجهش بالبكاء, أكاد لا أرى طريقي من غزارة الدموع في عينيّ.. والناس تارةً يجرفونني معهم وتارةً يدفعونني أرضاً غير مبالً احدهم بالآخر.. يبدو إني ابتعدت كثيرا عن البيت.. لم اعرف أين أوصلني تيار الفوضى البشرية العاتي.. لمحت أمي وأبي من بعيد يسرعون بالعودة للبيت.. ذهلت أمي لرؤيتي وحدي وتسآئل أبي عن خروجي من البيت وأين هو أخي؟ ولماذا البندقية بيدي؟ وملايين الأسئلة التي أجبت عناه بالبكاء فقط .. لا شيء غير البكاء.
لحظتها فقط انفجر الصاروخ الذي سقط قبل قليل والذي لم ينفجر وقتها, مُطلقاً الآف الشظايا المفترسة كالصواريخ الصغيرة بجميع الاتجاهات كأنه لم يكتفِ بما سببه هو نفسه من موت ودمار.
اخذ الناس ومن بينهم أبي يحملون الجرحى و ( ما تبقى ) من الجثث للسيارات أو أي شيء متحرك لإيصالهم للمستشفى بأي ثمن آملا أن لا يجد ( حسونّي ) بينهم .. شاهدت وأنا مختبئة بثوب أمي, رجلا يحمل شيئا صغيرا ملفوفا ببطانية ( حسونّي ) لكنها غارقة بالدماء وسمعت صوته حين مرّ الرجل قربي يقول لي:
- لقد وعدتني.. ).
* * *
بينما أنا غارقة بين أوراق كتبي, وفنجان الشاي بالحليب, وبعض باقات الورود اليابسة على السرير.. طُرق الباب وكان ثائر .. نظر لي مبتسما ماداً يده بمبلغ من المال قائلا:
- شكراً . هذا ما استطعت جمعه حتى اليوم.. سوف أعطيكَ الباقي حين أكمله.
- شكرا لك أنت..( أجبته بارتياح ).
أخذت المال منه سائله إياه أن يجلب لي باقة ورود بيضاء , فوافق ووعدني بجلبها آخر النهار.
شكرا لك أنت ثائر, لأنك رغم الحطام الذي تعيشه – أو لا تعيشه حتى – فهذا لا يسمى ( بالعيش ) ورغم صغر سنك اقوي مني بكثير, على الأقل لم تهرب من مواجهه حياتك ومصيرك.. لم تتمنى وجود والدك ليربت على كتفك حين لحظة ضعف.. أنت رجل صغير – كبير يبدأ يومه مؤمنا إن الحياة لابد أن تستمر رغم الخسائر.. رغم النكبات, و.. رغم الذنوب.. ربتت على كتفي تلك اللحظة العملاقة التي وجدت بها أخيرا مفتاح ( الحياة لابد أن تستمر ) يد ( حسونّي ) وقال لي:
- يبدو إني من وفيت الوعد نيابة عنك.
أجبته:
- اذهب حبيبي حسونّي.. لم اعد بحاجة إليك.
ملاحظة: أعلنت اليوم القوات الإسرائيلية الكافرة وقف إطلاق النار في غزة بعد عشرين يوما من القصف اللاإنساني, بعدما وصل عدد ضحايا القصف ( الوحشيّ ) لـ 1203 قتيل و 5320 جريح.
|
|
|
|
|
05-01-10
|
#8
|
معلومات العضو |
|
أديب
|
رقم العضوية : 157
|
|
تاريخ التسجيل : Mar 2009
|
|
مجموع المشاركات : 507
|
|
|
اخوتي المكرمين فرسان المسابقة الكرام
من دواعي الاعتزاز والفخر بكم , وبأقلامكم التي اعطت واجادت, وطرزت رياض ديواننا العامربزنابق أبداعكم
ومن دواعي فخرنا .... واكراما لعهود عميدنا الاستاذ الكبير فارس الهيتي.....
ومن براءة العفوية والطر
ومن الاحساس العميق بفرحكم ونشوة فوزكم
وانتم في جلوة النجاح في ساحة قراع الادب النزيه
أهنئكم بفوزكم الغالي... متمنيا لكم الازدهار والتوفيق
الفائزة الاولى: القاصة الرائعة سولاف هلال عن قصتها (شربات)
الفائزان بالمرتبة الثانية: الاستاذ الاديب والصحفي اللامع ابوطالب البوحيةعن قصته ( مدن )
الاستاذ الاديب القاص سلام يوسف العقيدي عن قصته ( قلم صيني)
الفائزة بالمرتبة الثالثة : القاصة المتمكنة ايفان الدراجي عن قصتها ( بقايا طفولة)
هنيئا لكم فوزكم
الجدير بالذكر ان جميع المشاركات كانت رائعة
اتمنى للمشاركين اللذين استبعدوا حظا اوفر
امنياتي بالتوفيق للجميع
|
|
التعديل الأخير تم بواسطة : عبد الكريم لطيف الحمداني بتاريخ 06-01-10 الساعة 03:00 AM
|
|
|
06-01-10
|
#11
|
معلومات العضو |
|
أديب وناقد
|
رقم العضوية : 169
|
|
تاريخ التسجيل : Apr 2009
|
|
مجموع المشاركات : 286
|
|
|
فرحتنا كبيرة بأدبائنا وأديباتنا
ونبارك للجميع هذا التجمع المفرح
الى أمام حتى نرتقي بالكلمة نحو الأفضل
تحياتي
|
|
|
|
|
07-01-10
|
#15
|
معلومات العضو |
|
صحافي وقاص-الفائز بالجائزة الثانية للقصة
|
رقم العضوية : 217
|
|
تاريخ التسجيل : Sep 2009
|
|
مجموع المشاركات : 233
|
|
|
بأسمي عضو لجنة تحكيم المسابقة الاولى للقصة القصيرة
في
ديوان ومنتديات النيل والفرات
اقدم اسمى التهاني والمباركة للمبدعين الذين سعوا على ان يكونوا في الصدارة من خلال اجتهادهم وتعبهم في كتابة ما انجزوه من روائع قصصية
كنت سعيداً جدا بأختيار الاستاذ الحبيب فارس الهيتي لي شخصياً كي اكون مع نخبة طيبة مبدعة في لجنة التحكيم
كتبت بصدق عال وتفاني
وكنت سعيداً وراضياً بالنتائج النهائية وهذا استحقاق الحق
لكم جميعاً مني كل المودة والمحبة
ابوطالب البوحيّة
صحافي وقاص
عضو لجنة التحكيم
|
|
|
|
|
|
|